Abstract:
َنَاوَلَتِ هَذِهِ المُذكِّرَةُ مَوْضُوعًا بَالِغَ اَلْأَهَمِيَّةِ مِنْ مُنْطَلَقِ أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِكَيْفِيَاتِ تَأْسِيسِ اَلْدَّوْلَةِ وَوَظَائِفِهَا وَاَلْأَهْدَافِ مِنْ وَرَاِء نَشْأَتِهَا، وَمِنْهُ فَقَدْ اِسْتَقْرَأ البَحْثُ أَهَمَّ اَلْإِشْكَالَاتِ اَلْمُرْتَبِطَةِ بِتَحَوُّلِ وَظِيفَةِ اَلْدَّوْلَةِ فِي ضَوْءِ اَلْتَّأصِيلَاتِ اَلْدُّسْتُوريَّةِ وَاَلْإِدَاريِّةِ لِلْمَذاهِبِ الوَضْعِيَّةِ؛ (اَلْمَذْهَبُ اَلْلِّيبِرَاِليُّ وَاَلْإِشْتِرَاكِيُّ وَاَلْاِجْتِمَاعِيُّ) أَيْنَ تَوَقَّفْنَا عِنْدَ الأُسُسِ اَلَّتِي يَرْتَكِزُ عَلَيْهَا كُلُّ مَذْهَبٍ مِنَ اَلْنَّوَاحِي اَلْدُّسْتُورِيّةِ وَاَلْإِدَاريّةِ وَاَلْاِجْتِمَاعِيَّةِ، وَمَا اِرْتَبَطَ بِهَا بِمَنْظُومَةِ اَلحُقُوقِ والحُرِّيَّاتِ، فِي عَلَاقِتِهَا بِوظَائِفِ الدَّوْلَةِ.
والمُلاَحَظُ أَنَّهَا كُلُّهَا عَلَى بَعْضِهَا -وَإِنْ كَانَت بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ- تَتَجَاهَلُ اَلْجَانِبَ اَلْرُّوحيِّ وَاَلْعَقَائِدِيِّ، وَتَسْتَبْعِدُه مِنْ وَظَائِفِ اَلْدَّوْلَةِ !، بِمَا يَتَنَاقَضُ مَعَ طَبِيعَةِ اَلْفَرْدِ (اَلْإِنْسَانِ)، حَتَّى أَنَّ أُنْمُوذَجَ اَلْدَّوْلَةَ اَلَّذِي يُسْعَى إِلَى تَعْمِيمِهِ وَعَوْلَمَتِهِ عَلَى مُسْتَوَى اَلْعَالَمِ هُوَ دَوْلَةٌ ذَاتُ صِبْغَةٍ (مَسْحَةٍ) تِقْنِيَّةٍ، مَاديَّةٍ لا تَعْكِسُ جَوْهَرَ وَهوِيَّةَ اَلْأُمَّةَ اَلَّتِي تُمَثِلُهَا، وَهِيَ اَلَّتِي تُوَاجِهُ اَلْيَوْمَ أَزْمَةً عَمِيقَةً وَإِشْكَالاَتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَوْنَهَا قَيَّدَت وَ/أَوْ أَفْرَغَت وَ/أَوْ حَصَرَت وَظِيفَةَ اَلْدَّوْلَةَ اَلْرُّوحِيَّةَ بِمَا اِنْعَكَسَ سَلْبًا عَلَى اَلْمُوَاطِنِينَ وَ/أَوْ اَلْأَفْرَادَ فْي بُعْدِهِمُ وبِنَاءِهِمُ اَلْرُّوحِيُّ وَ/أَوْ مَا يُعْرَفُ بِاَلْمُوَاطَنَةِ اَلْرُّوحِيَّةِ؟! .
وَمِنْهُ، كَانَ لاَبُدَّ مِنَ اَلْدَّفْعِ بِاَلْأُنْمُوذَجِ اَلْمِعْيَارِيِّ اَلْمُتكَامِلِ لِلْدَّوْلَةِ فِي اَلْإِسْلَامِ، وَاَلَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِيَانٍ سِيَاسِيٍ يَعْكِسُ هَوِيَّةَ اَلْأُمَّةَ مَادِيًّا وَرُوحِيًّا بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ اَلْفِطْرَةِ اَلْسَّلِيمَةِ، وَبِمَا يُؤَدِّي اَلْغَرَضَ مِن حَقِيقَةِ وُجُودِ (وَظِيفَةِ) اَلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ اَلْحَيَاةِ.
تَتَشَكَّلُ اَلْدَّوْلَةُ فِي اَلْإِسْلَامِ بِآليَّاتٍ تَنْفَرِدُ بِهَا (اَلْبَيْعَةَ)، وَيُمَارَسُ اَلْحُكْمُ فِيهَا عَن طَرِيقِ (اَلْشُّورَى)، كَمَا تَسْتَهْدِفُ إِقَامَةَ اَلْعَدْلِ بِوَاسِطَةِ إِعْلَاءِ سِيَادَةِ اَلْتَّشْرِيعِ اَلْإِسْلَامِيِّ (دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا) فِي ضَوْءِ مَقَاصِدِهِ اَلْسَّامِيَةِ، اَلَّذِي يَسْتَوْعِبُ -بِضَوَابِطِهِ اَلْمَرْعِيَّةِ-اَلْتَّحَوُّلَاتِ اَلْوَظِيفِيَّةِ لِلْدَّوْلَةِ اَلْعَصْرِيَّةِ بَعْدَ غَرْبَلَتِهَا أَكِيد.
قُمْنَا بِإسْقَاطِ اَلْدِّرَاسَةِ اَلْسَابِقَةِ عَلَى اَلْدَّوْلَةِ اَلْجَزَائِرِيَّةِ اَلَّتِي سَبَقَ وَأَن تَبَنَّت تَأْصِيلَاتِ اَلْمَذْهَبِ اَلْاِشْتِرَاكِيِّ بِصِفَةٍ عَمِيقَةٍ -حَتَّى لاَنَقُولَ بِصِفَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ- ثُمَّ اَلْلِّيبراليّ بِأَقَلِّ حِدَّةٍ بِطَابِعٍ اِجْتِمَاعِيٍّ، وَاَلَّذِي أَدْرَجَتْهُ ضِمْنَ اَلْثَّوَابِتِ فِي اَلْوَثِيقَةِ اَلْدُّسْتُورِيَّةِ اَلْحَالِيَّةِ (2020م)، غَيْرَ أَنَّ اَلْنَّقِيصَةَ (بَلْ اَلْخَطِيئَةَ) المُلاَحَظَة عَلَى اَلْمَنْظُومَةِ اَلْقَانُونِيَّةِ اَلْجَزَائِرِيَّةِ - اَلَّتِي وَاجَهَت وَلَا تَزَالُ تُوَاجِهُ عَدِيدَ اَلْتَّحَدِّيَاتِ- هِيَ جَعْلِهَا لِلْشَّرِيعَةِ اَلْإِسْلَامِيَّةِ اَلْغَرَّاءِ مَصْدَرًا اِحْتِيَاطِيًّا ضِمْنَ مَصَادِرِ اَلْتَّشْرِيعِ فِيهَا، وَهَذَا لَايَلِيقُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاصَلَ؛ فَاَلْتَّشْرِيعُ اَلْإِسْلَامِيُّ هَوَ مَصْدَرُ اَلْمَشْرُوعِيَّةِ، مِنْهُ يَصْدُرُ التَّشْرِيعُ وَإِلَيْهِ يُرَدُّ التَّنَازُعُ فِي المَسَائِلِ والأُمُورِ كُلِّهَا.