إدارة الأزمات الوبائية في المشرق الإسلامي خلال العصر المملوكي: البيمارستاناتكآلية استجابة وخط دفاع اجتماعي (648-923هـ / 1250-1517م)
Résumé
تستهدف هذه الدراسة تقديم قراءة تحليلية معمقة للدور البنيوي والمؤسسي الذي نهضت به البيمارستانات في إدارة النوازل الوبائية التي اجتاحت حواضر المشرق الإسلامي إبان العصر المملوكي (648–923هـ/1250–1517م)، تتبلور إشكالية البحث في تساؤل جوهري حول مدى قدرة هذه المنشآت، بوصفها مؤسسات وقفية وسلطانية سيادية، على تجاوز وظيفتها العلاجية التقليدية المحدودة لتتحول إلى منظومة تدبيرية متكاملة لمواجهة انتشار الأوبئة الفتاكة والحد من تداعياتها الكارثية، سعياً للحفاظ على استقرار البناء المجتمعي وترسيخ شرعية السلطة الحاكمة في أزمنة الجوائح الكبرى، ويهدف البحث إلى إبراز الهيكل التنظيمي لهذه المؤسسات، وتحليل أثر الأعيان الموقوفة في ضمان استدامة الخدمات الطبية وتوفير الغذاء والدواء أثناء الأزمات، فضلاً عن فحص حدود التداخل بين السياسة الشرعية ورعاية الرعية عبر المنظومة الطبية.
اعتمدت الدراسة المنهج التاريخي لاستقصاء مسار الأزمات وتطور الاستجابة المؤسسية لها، مستندةً إلى أمهات المصادر المعاصرة كالمقريزي، والقلقشندي، وابن تغري بردي، بالإضافة إلى المنهج المقارن لدراسة الفروق بين النماذج المعمارية والوظائف الإدارية للبيمارستانات.
تخلص نتائج الدراسة إلى أن البيمارستانات في العصر المملوكي لم تكن مجرد دور للاستشفاء، بل مثلت ركيزة أساسية لسياسة رعاية الرعية، إذ طبقت نظم العزل للمصابين، ونظمت قاعات العلاج وفق تخصصات دقيقة كالجراحة والطب النفسي، وبفضل الموارد المالية التي حبسها السلاطين والأمراء، تمكنت هذه المؤسسات من تقديم العلاج بالمجان، وتوزيع الأدوية والأغذية خلال موجات الطاعون الكبرى لاسيما طاعون عام 749هـ/1348م، مما ساهم في حفظ التوازن السكاني في حواضر كبرى كالقاهرة ودمشق. ورغم نجاح هذه المنظومة، إلا أنها واجهت تراجعاً في أواخر العصر المملوكي نتيجة اضطراب الموارد المباشرة وتجاوزات إدارة الأوقاف.، وتؤكد الدراسة أن تجربة البيمارستانات المملوكية تعد نموذجاً فريداً يجمع بين العلم والإدارة الوقفية، ويوفر إطاراً لفهم استقرار المجتمعات في أزمنة المحن.
وعلى الرغم من هذا النجاح المؤسسي، يثبت البحث أن كفاءة هذه المنشآت واجهت تحديات جسيمة في المرحلة المتأخرة، حيث أدى تراجع الأصول الوقفية وتفشي التجاوزات في تصرفات الناظرين على الوقوف إلى عجز البيمارستانات عن استيعاب المصابين في الأوبئة المتأخرة.
الكلمات المفتاحية: البيمارستانات، العصر المملوكي، رعاية الرعية، الأزمات الوبائية، الوقف الصحي.






