توظيف الفقه الإسلامي في نزع ملكية أراضي القبائل الجزائرية إبَّان الاحتلال الفرنسي. الفتوى الملحقة بمنشور الجنرال شارون ﻟ 15 جوان 1849 مثالاً.
Résumé
مع بداية عهد الجمهورية الفرنسية الثانية ، طفا على السطح مشكل عدم كفاية أراضي الدومين (البايلك سابقا) لإقامة مستوطنات 1848م بالجزائر، وغدا البحث عن أرضٍ للاستيطان أولوية قصوى لإدارة الاحتلال، ما جعلها تُنَقِّبُ عن أي ثغرة يمكن استغلالها لتوفير ذلك. في هذه السياق، أعيد للواجهة النقاش حول ما سُمِّيَ آنذاك ﺑ"نظرية الخراج" للدكتور وورمز Worms، القائمة على مبدأ "الطبيعة الوَقْفِيَة" لأراضي المغرب بعد الفتح الإسلامي، ما كان يعني عبر سحب هذا المفهوم زمنيا؛ اعتبار معظم الملكية العقارية لبلاد الجزائر وَقْفًا.
هذا التصنيف الوقفي، كان يُفْضِي بالنتيجة؛ إلى الإقرار بوجود "مِلْكِية رَقَبَةِ" تلك الأراضي للدولة القائمة، والتي تُخوّل ﻟ"الإمام" التصرُّف فيها تبعاً لذلك، وهو ما كان يعني حسب ما سمَّته الإدارة الفرنسية "حق الاحتلال"؛ الحُلُولَ مَحَلَّ هذا "الإمام" في ممارسة الحق في التصرف في "مِلْكِية الرَّقَبَة"، ما سيسمح بتوفير الأرض عبر "مقايضة" هذا الحق مع الحائزين الفِعْلِيِين من القبائل الجزائرية، وبالتالي إمكانية التنازل عنها "دون ضجيج" أو اعتراض لصالح الاستيطان الفرنسي والأوروبي.
يحاول هذا المقال تسليط الضوء على هذه الإشكالية، المتمثلة في كيفية التوظيف المُغْرِض للفقه الإسلامي من قبَل إدارة الاحتلال في قضايا الملكية. وقد اخترنا كمثال أحد الصور المعبرة عن هذه الممارسة بوضوح، وهي فتوى تضمَّنَها منشور "مِفْتَاحي" للجنرال شارون Charon ﻟ15 جوان 1849، وُظِّفَت بذكاء لدعم المسعى "التبريري" للاستحواذ العقاري. ما جعلنا نطرح العديد من الأسئلة حول هذه الفتوى، من حيث قوة تأسيسها، صحة ما حوته، ونقد توظيفاتها بالخصوص. أما في السياق العام، فقد شملت تساؤلاتنا مرتكزات "نظرية الخراج"، وترتيبها في سياق استكشاف الملكية الجزائرية، وكذا علاقة هذه النظرية بعمليات الحصر والتجميع Cantonnement للقبائل التي طبقتها إدارة الاحتلال طيلة الخمسينات من القرن 19م، وكيف تحولت في غياب إطار قانوني منظم لها لعملية استيلاء وتجريد قسْري للملكيات.
لبلوغ هذا الهدف، اعتمدت الدراسة بالأساس على المنهج التاريخي، ومنهج تحليل المضمون، استخدم الأول لقراءة وتقييم التدخل التشريعي لإدارة الاحتلال قبل 1849، وللتعريف بصاحب المنشور وصاحب إحياء "نظرية الخراج"، وهو الجنرال شارون، وكذا في محاولة العودة لأصول الفتوى في كتب الفقه. أما الثاني فقد استخدم في تحليل ونقد محتوى المنشور المتضمن لهذه الفتوى، ولبيان مراميها وقراءة ما بين سطورها.
إنَّ النتائج التي توصلت لها هاته الدراسة، أوضحت قدرة عالية للإدارة الكولونيالية، وبدعم "الطبقة العلمية" من مستشرقيها وباحثيها، على التكيف في الوسط الإسلامي الجزائري، عبر بث الشكوك حول صلابة المفهوم التأسيسي للملكية العقارية السابقة، وطرح نفسها كحاكم طبيعي للجزائريين رغم اختلاف الدين واستحالة ذلك شرعا. كما حاولت أيضا إيجاد مُسَوِّغات ولو وقتية، لتبرير نزع ملكية القبائل، واستغلال الاختلافات الفقهية في بعض المسائل. كل ذلك، كان من أجل تفادي الثورات والانتفاضات أو تقليلها، باعتبارها كانت نتيجة آلية لعمليات الاستحواذ العقاري. وأخيرا، فقد أدى تراكم مثل هذه التوظيفات المستندة على البحوث النظرية، إلى المساهمة في التأسيس لما سيعرف ﺑ"القانون الإسلامي الجزائري"، الهادف لإمداد الإدارة بوسائل لسيطرة "ناعمة" تكون فعالةً وموثوقةً.
الكلمات المفتاحية: نزع الملكية؛ استيطان؛ سياسة الحصر؛ الجنرال شارون.






