جريدة الرُّوح القاسميَّة 1948م: مقاربة تحليليّة لخطابها الإصلاحي والسياسي
Résumé
شكلت الزوايا في الجزائر خلال الحقبة الاستعماريَّة فضاءاتٍ فاعلة للمقاومة الثقافيَّة والفكريَّة إلى جانب أدوارها الدّينيّة والتّربويّة التقليديّة، ومن بين هذه المؤسسات تميّزت زاوية الهامل بدورها في الحفاظ على الهويَّة الوطنيّة موظفة عدة آليات أبرزها الانخراط في العمل الصحفي كوسيلة للنضال، حيث شكلت الصحافة منبرا للتأثير على الرأي العام. في هذا السّياق التاريخي، ظهرت جريدة الرُّوح القاسميَّة سنة 1948م، كمبادرة صحفيّة إصلاحيَّة سريَّة، مثلت امتدادًا لفكر الزّاوية ومواقفها من الاستعمار الفرنسي إذ سعت عبرها إلى المساهمة في خدمة القضية الوطنيَّة الجزائريّة خلال مرحلة حرجة من تاريخها، ودافعت عن معالم الهويَّة ومقوِّماتها بأساليب تتلاءم مع شروط الرقابة والقمع الاستعماريّ المُتصاعد والهادف إلى خنقِ حرِّيَّة الرأي والتعبير في الجزائر.
ومن ثَمّ يوقفنا المسار التاريخيّ لصدور جريدة الرُّوح القاسميَّة على تجربةٍ خاصة تكاد تكون استثنائيَّة قلما شهدتها صحف جزائريَّة أُخَرُ؛ فقد صدرت بطريقة سريَّة وبصيغة خطيَّة غيرَ طباعيَّة، لهذا راهن هذا المقال على تحقيق جملة من الأهداف أبرزها التعريف بجريدة الرُّوح القاسميَّة السريَّة، ومناقشة أسباب لجوئها إلى العمل السرِّي مع التأكيد على أهمية الخطاب الصّحفيُّ غير المُعلن كرافد من روافد النضال الوطنيّ قبل اندلاع الثورة في الفاتح نوفمبر 1954م، ثمّ تحليل تجربتها من حيث طبيعة مضامينها واتجاهاتها الإصلاحية وللإحاطة بحيثيات هذا الموضوع طرحت الإشكالية التالية: كيف أسهمت جريدة الرُّوح القاسميَّة السريّة في تشكيل الوعي الإصلاحيّ والوطنيّ في الجزائر خلال خمسينات القرن العشرين؟ وما هي طبيعة خطابها في سيّاق التفاعلات الفكريّة والسياسيّة السائدة آنذاك؟ وقد اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التأريخي لملاءمته طبيعة الموضوع، والقائم على تحليل جريدة الرُّوح القاسميَّة بوصفها مادة صحفيّة تاريخيّة صدرت في سياق استعماريّ خاص؛ إذ عملتُ على تتبع ظروف نشأتها، سياقها التاريخيّ، وتحليل مضامينها السياسيَّة والثقافيَّة والدينيَّة، كما استأنست الدراسة بالمنهج الوصفي من خلال رصد أبرز القضايا المطروحة والوقوف على خصائص خطابها الصحفيّ. وقد اعتمدتُ في هذا العمل على المصادر الأوّليَّة المتمثلة في عيِّنةٍ من أعداد جريدة الرُّوح، إضافة إلى مصادر أخرى ثانويّة تمثلت في كتب ودراسات تناولت تاريخ نشأة الصحافة الوطنيّة، واهتمت بتطورات النضال الإصلاحيّ خلال النصف الأول من القرن العشرين، وذلك قصد تدعيم التحليل وربطه بسياقه العام.
وانطلاقا من ذلك، عكفتُ في هذه الورقة البحثيَّة على دراسة الخطاب الصحفيّ الإصلاحيّ وتحليله على صفحات جريدة الرُّوح القاسميَّة السريَّة الخطيَّة الصادرة سنة 1948م، من خلال الوقوف على سياقِ صدورها، وطبيعة مضامينها، وأبرز القضايا الوطنيّة التي طرحتها على صفحاتها، كما سعت الورقة إلى إبراز الخصوصيات التي ميّزت هذا الإنتاج الصحفيّ، سواء من حيث شكلها الخطِّيّ السرّيّ أو من حيث دورها الإصلاحيّ و الوطنيّ. توصّلت الدراسة إلى أن جريدة الرُّوح القاسميَّة -رغم طابعها السرّي والخطّي ومحدوديَّة انتشارها- قد أسهمت في خدمة القضيّة الوطنيّة الجزائريّة عبر خطاب صحفيّ إصلاحيّ ركّز على بناء الوعي وترسيخ قيَم الهويَّة والانتماء، كما بيَّنت النتائج أن اعتماد الشكل الخطِّي السرِّي كان خيَارًا فرضته الظروف الاستعماريّة، وأسهم في الحفاظ على استمراريّة العمل الصحفيّ في الجزائر في خمسينيّات القرن العشرين.
الكلمات المفتاحية: جريدة الرُّوح، الصحافة، زاوية الهامل، الاستعمار.






