تدوين التاريخ في اليونان القديم : من الأسطورة إلى الكتابة
Résumé
نسعى في هذا المقال إلى تسليط الضوء على حقبة تاريخية من أهم حقب التاريخ الإنساني لما شهدته من أفكار وبطولات ولما خلفته من إرث فكري وثقافي وحضاري، ونقصد هنا تاريخ اليونان القديم، حيث سنتتبع مسار تدوين التاريخ في اليونان القديم، وسنركز على طرق تدوين في تلك الفترة.
بدأ التدوين التاريخي اليوناني من الأسطورة، حيث اعتمد اليونانيون القدامى على الأسطورة في تدوين تاريخهم وبطولاتهم وتجلى ذلك مع هوميروس حين نقل لنا بطولات اليونان إبان حرب طروادة في قالب أسطوري ممزوج بالشعر، ليبدأ بذلك الوعي التاريخي عند الشعب اليوناني، ليزداد بذلك الاهتمام بالتدوين التاريخي ليصل إلى أرقى مظاهره وأسمى أساليبه، حينما أصبح التدوين التاريخي يعتمد على التحليل والتدقيق ويصبح بذلك أكثر موضوعية، وتم ذلك من خلال الأعمال النثرية التي ألفها هيرودوت منتقلا من التدوين الشفهي الأسطوري الشعري إلى أسلوب التدوين بالكتابة النثرية، ليبدأ بذلك العصر الذهبي للتدوين التاريخي في اليونان القديم الذي تخلص من الأسطورة على فترات ليصبح أكثر موضوعية وأكثر علمية متوخيا الدقة والتحليل.
يجيب هذا المقال على إشكالية أساسية وهي: ما هي طرق ووسائل التدوين التاريخي في اليونان؟ أو كيف انتقل اليونانيون من التدوين الأسطوري الشفهي إلى التدوين النثري؟.
اتبعنا في هذا المقال المنهج التحليلي حين قمنا بتحليل آراء ونظريات التدوين التاريخي عند المؤرخين اليونانيين القدامى، كما استعننا بالمنهج التاريخي وتجلى ذلك عند عودتنا إلى حقبة التاريخ اليوناني القديم والبحث في صفحاته عن آثار المؤرخين اليونانيين القدامى.
خلصنا في هذا المقال إلى أنّ تكون الوعي التاريخي عند اليونان حدث تدريجيا وعبر مراحل زمنية، تخلص فيها اليونانيون من التدوين الأسطوري الشفهي للتاريخ التي حملته قصائد مؤرخيه، لينتهي به المطاف إلى التدوين النثري التي جادت به أقلام وقرائح المؤرخين، وهذا ما يبرز فطنة وذكاء الإنسان اليوناني القديم.
وقفنا في هذا المقال على التطور المذهل لدى المؤرخين اليونانيين القدامى، فبعدما كان التدوين التاريخي في بادئ الأمر يقتصر على تدوين بطولات وأمجاد الشعب اليوناني وأبطاله في حروبهم ضد الشعوب الأخرى، انتقل تدريجيا إلى تدوين تاريخ بعض الشعوب التي احتك بها اليونانيون، كما أصبح المؤرخون اليونانيون يتنقلون إلى بلدان الأخرى لتدوين الأحداث ووصف الأحوال، بالإضافة إلى ذلك أن التدوين التاريخي اليوناني في بدايتها كان جل اهتمامه بوصف الحروب لينتقل تدريجيا إلى وصف مظاهر الحياة الأخرى، مما يوحي بتطور وعي وذهنية المؤرخ اليوناني.
تبرز عبقرية المؤرخين اليونانيين القدامى من خلال اجتهادهم الدائم في تطوير أساليب التدوين التاريخي، وكذا في تفكيرهم المضني في حركية التاريخ التي انتقلت من الآلهة إلى الإنسان، بالإضافة إلى بحثهم الحثيث عن الهدف الحقيقي من التاريخ. بعدما كان في بادئ الأمر تدوين أحداث الماضي أصبح الهدف منه التفكير في بناء المستقبل انطلاقا من أحداث الماضي. إنها عبقرية وفطنة لم يسبق لهما نظير، لذا كانت الحضارة اليونانية مهدا للعلوم والمعارف.






