وضعيات الدفن والطقوس المصاحبة لها في الحضارة القفصية على ضوء الأبحاث الأثرية

Auteurs

Résumé

يتناول هذا البحث الممارسات والطقوس الجنائزية لدى الإنسان القفصي، باعتبارها أحد أهم المداخل لفهم الحياة الدينية والتصورات الرمزية المرتبطة بالموت والحياة ما بعده، وهذا خلال الباليوليتي المتأخر في شمال إفريقيا عامة والجزائر خاصة، عن طريق تسليط الضوء على مختلف وضعيات الدفن التي كشفت عنها الحفريات والأعمال الميدانية المختلفة سواء خلال الفترة الاستعمارية أو بعد الاستقلال، وتنطلق إشكالية البحث من محدودية المعطيات التفسيرية المتوفرة حول البعد الديني للإنسان القفصي، نتيجة اعتماد الدراسات السابقة على المقاربة الوصفية والأنثروبولوجية التقليدية، مع إغفال السياق الجنائزي والتحليل التافونومي للجثث، مما حال دون إعادة بناء دقيقة للأنساق الجنائزية ومضامينها الرمزية.

تهدف هذه الدراسة إلى إعادة قراءة وضعيات الدفن وطرقه والطقوس المصاحبة لها في الحضارة القفصية، والكشف عن دلالاتها الدينية، مع إبراز مدى تطور الفكر الرمزي لدى الإنسان القفصي، وموقعه ضمن المسار العام لتشكل الممارسات الدينية في عصور ما قبل التاريخ، وذلك من خلال تحليل وضعيات الدفن، والمرفقات الجنائزية، كما تسعى إلى تمييز ما هو ناتج عن الفعل الجنائزي المقصود عما هو نتيجة للتحولات التافونومية اللاحقة، وإلى إبراز درجة التعقيد والتنظيم التي بلغتها هذه الطقوس.

اعتمد البحث منهجية متعددة التخصصات، جمعت بين التحليل الأثري والأنثروبولوجي، مع توظيف مقاربات علم الآثار الجنائزية، وذلك من خلال دراسة وضعيات الهياكل العظمية، وأنماط الإيداع الجنائزي، وبنية القبور، إضافة إلى تحليل استعمال المغرة الحمراء، والحلي، واللواحق الجنائزية. كما تم الاعتماد على المقارنة بين عدد من المواقع القفصية الجزائرية والتونسية، وربط المعطيات الميدانية بالسياق البيئي والثقافي العام.

 وتتضمن هذه الورقة البحثية عدة نقاط، بحيث تناولنا في البداية نظرة موجزة عن الحضارة القفصية من حيث الاكتشاف والتسمية، ثم تطرقنا إلى أهم وضعيات وأنماط الدفن لدى الإنسان القفصي استنادا إلى مجموعة من المواقع النموذجية، ثم حللنا مختلف الطقوس المصاحبة لعملية الدفن والمرفقات الجنائزية التي تم الكشف عنها في مختلف المدافن.

وقد أظهرت نتائج البحث أن الممارسات الجنائزية القفصية لم تكن عشوائية، بل اتسمت بدرجة عالية من التنظيم، مما يدل على وجود ممارسات رمزية ودينية واضحة المعالم، كما كشفت عن تنوع وضعيات الدفن وطرق الإيداع، بما في ذلك الدفن الفردي الأولي والثانوي، وظهور أنماط دفن خاصة تعكس طقوسًا طويلة ومعقدة، مثلتها عملية تجزئة الجثة وفصل الأعضاء، مع الاحتفاظ بأخرى لدفها مرة أخرى عبر مجموعة من الطقوس، فضلا عن استعمال الصباغة الحمراء التي لها دلالات دينية مهمة. وتؤكد هذه النتائج أن الإنسان القفصي امتلك تصورا متقدما للموت، من خلال الكشف عن مجموعة من القرابين التي كانت ترافق الجثة في رحلتها نحو العالم الآخر، وأن الطقوس الجنائزية شكلت وسيلة أساسية للتعبير عن معتقداته الدينية وهويته الثقافية، وأسهمت في ترسيخ التماسك الاجتماعي داخل الجماعة القفصية.

الكلمات المفتاحية: وضعيات الدفن؛ الحضارة القفصية؛ الطقوس؛ الأبحاث الميدانية.

Publiée

2026-07-15

Comment citer

توريرت م. (2026). وضعيات الدفن والطقوس المصاحبة لها في الحضارة القفصية على ضوء الأبحاث الأثرية. La Revue d’Histoire Méditerranéenne, 8(2), 306–331. Consulté à l’adresse https://univ-bejaia.dz/revue/rhm/article/view/1209