زواوة بالبلاد التونسية خلال العهد العثماني: من الهجرة إلى الاندماج الاجتماعي

Auteurs

Résumé

عرفت الجالية الجزائرية خلال الفترة الحديثة حضورا متميزا ومؤثرا داخل البلاد التونسية؛ التي شكلت آنذاك مجالا منفتحا وأرضية لتنوع اجتماعي؛ عكسته الفسيفساء البشرية التي قدمت إليها من مختلف نواحي الإيالة الغربية؛ حيث استوعب المجتمع التونسي تنوعا اثنوغرافيا ملحوظا؛ كان من أبرز مكوناته جماعة زواوة-ذات الأصول الأمازيغية-التي استقرت بالبلاد منذ القرن السادس عشر، وسرعان ما أصبح لها دور محوري في مختلف التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي شهدتها تونس في العصر الحديث. وقد ارتبط هذا التطور بالدور الهام الذي لعبته زواوة، في تاريخ البلاد كفئة عسكرية؛ انخرطت أعداد كبيرة منهما في الحياة العسكرية، وشكلت مخزونا بشريا احتياطيا لجأت إليه الأنظمة الحاكمة كلما دعتها الحاجة، لتأمين استقرارها الداخليى وخاصة في أوقات الفتن والأزمات، ومرد هذا الاعتماد هو ما تميزت به الزواوة من قدرات تنظيمية وحربية عالية؛ جعلتها تحظى بمكانة هامة داخل الجهاز ين الإداري والعسكري، وقد ارتبط حضورها القوي أيضا بولائها التاريخي للسلطة، وهو ما ساهم في استمرارية دورها كمكون فاعل في مؤسسة الحكم. كما ساهمت في تنشيط الدورة الاقتصادية من خلال تأمين الطرق والمسالك التجارية، وتنظيم الأسواق، وممارسة الحرف والصنائع، والمشاركة في تحصيل المجبى، ما أضفى بعدا اقتصاديا للتواجد الزواوي الذي تجاوز الطابع العسكري التقليدي؛ إلى تعزيز الأمن التجاري لا سيما في المناطق الحدودية والمجالات الريفية التي شهدت تنقلات دائمة للساكنة والتجار.

    أما من الناحية الثقافية والدينية، فقد ساهم الزواوة في إثراء المشهد الفكري من خلال مشاركة مشايخهم في التدريس بالجامع الأعظم، وتقلدهم مناصب مرموقة كالخطابة والإفتاء والقضاء، فضلا عن نشاطهم في رحاب الطرق الصوفية، ولا سيما الطريقة الرحمانية، التي مثلت وعاءً روحيا واجتماعيا لاحتواء الوافدين من أوساطهم الأصلية، والتفافهم حول قطب مدارهم الشيخ سيدي البشير الذي وجدوا في زواياه ملاذا انسجم مع حاجياتهم الملحة للاندماج الاجتماعي؛ ما ساعد في تعزيز الشعور بالانتماء الديني المشترك مع السكان المحليين، ودعم الهوية الدينية الإسلامية للبلاد.  ومن الجوانب التي تسترعي الانتباه أن أبناء زواوة لم ينخرطوا جميعا في الحياة العسكرية؛ بل حرصوا على الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، واندمج جزء منهم في الحياة الاجتماعية من خلال المصاهرة والاستقرار في الأحياء الشعبية بالمدن، وتكوين شبكات تضامن زواوية محلية الطابع، وقد أسهم هذا التفاعل الاجتماعي في ترسيخ وجودهم كمكوّن أصيل متجذر داخل المجتمع التونسي، حيث تولّى العديد منهم مناصب شرعية ومخزنية، واندمجوا تدريجيا في الهياكل الرسمية وغير الرسمية للدولة، مما ساعد على ذوبانهم في النسيج المجتمعي بشكل طبيعي ومستدام.  تهدف هذه الدراسة بالدرجة الأولى إلى تسليط الضوء على السياق التاريخي والاجتماعي الذي أحاط بالوجود الزواوي في البلاد التونسية، وتحليل الأدوار التي اضطلعوا بها، وآليات الاندماج في الأوساط المجتمعية الجديدة؛ والتحديات التي واجهتها زواوة مقارنة بباقي الأقليات، كما تسعى إلى فهم الخصوصية الثقافية والاجتماعية التي مكنتها من فرض وجودها داخل مجتمع متنوع، والتحول من وافد إلى فاعل أساسي ساهم في بناء معالم المشهد التونسي الحديث، بكل ما يحمله من تعدد وثراء؛ من خلال حضورها في المشهد الثقافي والديني، وأثرها على الصعيد الاجتماعي. وهذا بتتبع تطور وجود الزواوة في تونس عبر الوثائق والمصادر المتوفرة، وتحليل أدوارهم وطبيعة علاقتهم بالسلطة التونسية، ومظاهر تأثيراتهم في المجالات الأمنية والدينية والثقافية؛ التي تبين قدرتهم وسرعتهم على الاندماج، ومساهمتهم في دعم الدولة واستقرارها وتفوقهم على سائر الأقليات بفعل التضامن والتنظيم الداخلي.

الكلمات المفتاحية: زواوة، تونس، سيدي البشير، الاندماج الاجتماعي.

Publiée

2026-01-05

Comment citer

بوقادوم . ح. . (2026). زواوة بالبلاد التونسية خلال العهد العثماني: من الهجرة إلى الاندماج الاجتماعي. La Revue d’Histoire Méditerranéenne, 7(2), 361–380. Consulté à l’adresse https://univ-bejaia.dz/revue/rhm/article/view/769